حبيب الله الهاشمي الخوئي
359
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وتلبيسه من حيث لا يعلم . ووصفه بالكبر لما نبّه عليه بقوله ( الَّتى تساور قلوب الرّجال مساورة السّموم القاتلة ) فانّ تزيين ما في باطنه تلك المفسدة العظيمة وذلك السّم الناقع ، وتحسينه في نظر المتكبّر وايقاعه له فيها من حيث لا يشعر إن هو إلَّا كيد عظيم وحيلة كبيرة . وكنّى بتساورها عن شدّة تأثيرها وحدّتها في القلوب ، وشبّهه بمساورة السّموم القاتلة تأكيدا للشدّة وتوضيحا لها ، بل نقول إنّها أشدّ تأثيرا منها ، لأنّ تأثير السموم في البدن وتأثير تلك الخصلة الذميمة في القلب ، والأوّل موجب للألم الجسماني والهلاك الدنيوي ، والثاني للألم الرّوحانى والهلاك الأخروي . وقوله ( فما تكدى أبدا ولا تشوى أحدا ) تفريع على التشبيه وتوضيح لوجه الشبه ، يعنى أنّ السّموم القاتلة كما لا يمنع من تأثيرها في الأبدان مانع ، ولا يقاومها شيء من الطبايع ، ولا تخطى من إصابة مقاتل أحد من آحاد الناس ، فكذلك تلك المكيدة لإبليس لا يردّها من مساورة القلوب شيء أصلا ، ولا يدفعها منها دافع أبدا ، ولا يكاد أن يقاومها أحد من النّاس أو يقابلها واحد من العقول ، فتخطى من أصابتها واهلاكها . ولمزيد توكيد العموم المستفادة من قوله لا تشوى أحدا من حيث كونه نكرة في سياق النفي أتى بقوله ( لا عالما بعلمه ولا مقلَّا في طمره ) يعني أنّ العالم مع ماله من الكياسة والعلم بقبح هذه الصّفة الخبيثة وكونها من مكائد إبليس لا يكاد ينجو منها فضلا عن الجاهل ، وكذلك المقلّ المفتقر مع فقره واعوازه للمال الَّذى يتكبّر به لا يخلص من تلك المكيدة فكيف بالغني الواجد لأسباب الطغيان والخيلاء ، فانّ الانسان ليطغى أن رآه استغنى ، هذا . ولما كانت الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد الكامنة كما عليه بناء العدلية من الامامية والمعتزلة ، وكان جعل العبادات الموظفة من الشارع لتحصيل تلك المصالح ودفع هذه المفاسد ونبه عليه السّلام على أنّ في الكبر مفسدة عظيمة وسوء العاقبة وأنّه بمنزلة السموم القاتلة أشار بقوله :